الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة مراسلة خاصة من مهرجان كان السينمائي: فيلم «مالوت» كوميديا فرنسية مجنونة

نشر في  13 ماي 2016  (18:27)

بقلم الناقد طاهر الشيخاوي- مراسلنا من مهرجان كان 

يعتبر برونو دومون (Bruno Dumont) من أهم المخرجين الفرنسيين، فمنذ انطلاقته سنة 1997 مع شريط « حياة يسوع » حصل على شهرة أكدتها أعماله اللاحقة: «الإنسانية» 1999 و«فلاندر» 2006 و«هادويش» 2009 و«خارج الشيطان» 2011 و«كامي كلوديكل» 2013 و «كن كن الصغير» 2014  التي عرضت كلها في مهرجانات عالمية مثل البندقية وبرلين وتورنتو وتحصلت على العديد من الجوائز.

تميز برونو دومون باستقلالية عالية وإيمان قوي بقدرة الصورة على التعبير. عُرف بقتامة نظرته ولكنه فاجئ الجميع سنة 2014 لما أنجز سلسلة كوميدية بعنوان «كن كن الصغير» لقناة ارتي لقيت نجاحا كبيرا. فمن الطبيعي أن يكون فيلمه الأخير محل انتظار النقاد والمهتمين بالسينما خاصة أنه يواصل مسلك الكوميديا.

كان أول عرض للفيلم صباح هذا اليوم في أهم قاعة في مهرجان كان السينمائي «المسرح الكبير لوميير» وكان لابد من القدوم مبكرا لضمان مكان. وفعلا لم يخيب برونو دومون ظن المتفرجين وجلهم من الصحافيين على الأقل هذا ما خيل لي.

«مالوت» فيلم كوميدي من نوع خاص جدا لا تنازل للفكر فيه. تدور أحداثه في شمال فرنسا، جهة دومون المحبذة ويعود تاريخها إلى بداية القرن أي 100 سنة خلت.

في إختيار الزمن هناك طبعا معنى لأن الفترة شهرت بتطور السينما الهزلية والإحالات واضحة خاصة لماكس ليندر وبصورة أعم للبورليسك ولكن الرجوع لسينما بداية القرن لا يقلل تماما من الإيحالات لقضايا اليوم فهناك تقابل قوي بين فئتين من المجتمع متناقضتين تماما، من ناحية عائلة أرستقراطية منغلقة فكريا انغلاقا لامحدودا ومن ناحية أخرى عائلة صيادين فقراء لا يبتعدون كثيرا عن آكلي لحم البشر لكن اللقاء بينهما لا علاقة له بالصراع الطبقي كما يمكن أن يظهر في أفلام كان لوش.

هنا تبدو من جديد نظرة المخرج القاتمة، لا حل للإختلاف حتى بالمعنى الجدلي فعلاقة الحب بين الشاب الفقير مالوت وبيلي الفتاة الأرستقراطية تبوء بالفشل الذريع، قصة حب كان يمكن أن تشكل رمزيا رابطا إنسانيا كما هو الشأن في الخرافات والقصص القديمة لكن يقف الأمر هنا والسبب في الحكاية هو أن مالوت يكتشف أن هوية بيلي الجنسية غامضة.

عالم دومون ليس واقعيا وحركة المجتمع ليست جدلية بالمعنى الهيجيلي أو الماركسي للكلمة، فغموض البشر يحيل إلى أبعاد ما ورائية تظهر في الفيلم من خلال الإحالات الدينية من استرفاع في السماء وهبوط في عمق اعماق الغرائز الإنسانية.

هذا التقاطع بين الأضداد يظهر أيضا في نمط الإخراج نفسه إذ جمع دومون في فريق الممثليين نجوما كفابريس لوكيني وجوليات بينوش وفاليري تيديسكي وممثلين غير محترفين، كما مزج بين أجناس سينمائية متنوعة جدا كالفيلم البوليسى والفيلم التاريخي والفيلم الحميمي إلخ، مزجٌ فيه الكثير من المخاطرة ونوع من التجريبية الإستكشافية جعلت من دومون أجرء أو من أجرء السينمائيين الفرنسيين.